بسم الله الرحمان الرحيم

  www.laaroussi.on.ma

يعتبر الإنسان في المفهوم الإسلامي ، أكرم الكائنات وأشرفها ، ومن أجله سخر الله ما في السماوات وما في الأرض ، ومنحه نعمة العقل والتفكير والتدبر . فالكرامة الإنسانية ، تستند في الإسلام إلى نظرية متكاملة ، وهذا ما يميزها عن المفهوم الغربي , فأسباب تلك الكرامة ومضمونها ، واضحة في تسخير ما في السماوات والأرض لخدمة الإنسان ، ومن آثار هذه الكرامة ، أن حياة الفرد في قيمتها تكاد تتساوى مع حياة النوع البشري واستمراره ، يقول الله تعالى  { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ( سورة المائدة  الآية 32 ) . وتمنع كل التصرفات التي تنال من حق الحياة ، وسلامة البدن والعرض ، أو تنقص منه ، كتعذيب الإنسان ، والعدوان عليه في حياته ماديا أو معنويا ، وحتى التمثيل بجثته بعد وفاته ، ولو في الحرب ، إذ يمتد التكريم للإنسان إلى ما بعد وفاته .

ومن أجل الحفاظ على حق الحياة للإنسان ، لم يشرع القتال في الإسلام إلا من أجل الحق ، ودفاعا عن الحق ، وبعد الإنذار والإعلان .
وحرم الإسلام القتال طلبا للمغانم ، أو بدافع من التعصب القومي أو العرقي . وفي الإسلام قيود على ممارسة أعمال الحرب ، فيحرم قتل غير المحاربين من النساء والأطفال وكبار السن والمنقطعين للعبادة ، ويمنع قتل من يقومون بالعمل بعيدا عن ساحة القتال ، كالزراع ، ما داموا لا يشتركون في القتال .
ويحرم في الإسلام ، إتلاف الزرع وإهلاك الضرع ، حفاظا على أقوات الناس . بل إن النبي  صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا عاليا في أخلاق القتال وآدابه ، حينما اعترض على أصحابه في قتل امرأة ، وقال 
« ما كانت هذه لتقاتل » ( انظرعون المعبود  شرح سنن أبي داود 7 / 329) . وحينما أرسل إلى أهل مكة ، وهم في حالة عداء وحرب معه ، ما يعاونهم على القوت الضروري لهم (صحيح البخاري) .

ومن أجل الاحتياط والوقاية من شيوع الاعتداء على الحياة الإنسانية ، كان حكم القصاص ، قال تعالى  { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ }  ( سورة المائدة الآية 45 )  وقال تعالى  { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .( سورة البقرة الآية 178) . وكل ذلك "بشروطه وضماناته المفصلة في الفقه الإسلامي .
ومن أجل حفظ النفس الإنسانية ، حرم في الإسلام أن يقتل الإنسان نفسه ، قال الله تعالى  { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ( سورة النساء الآية 29 ) .وحرم أن يلقي الإنسان بنفسه إلى الهلاك ، قال الله تعالى  { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ( سورة البقرة  الآية 195 )  ومن الحفاظ على عقل الإنسان في نظر الشرع الإسلامي ، حرم الخمر لأنها تذهب بالعقل ، وتخل بالإدراك والتمييز ، وحظر كل ما يؤدي إلى ذهاب العقل ، أو إضعاف ملكات الإنسان الفكرية . ولقد أدرك علماء المسلمين قدر نعمة العقل والإدراك وأثرها في حياة الإنسان .
ويدخل في حق الحياة وسلامة البدن والحواس والمشاعر ما أوجبه الله على المسلم من تجنب ما يضر به . وحرم سبحانه أشد التحريم ، تعذيب الإنسان المسلم أو انتهاك كرامته والحط من قدره ، حتى بالكلمة الجارحة أو السخرية منه ، قال الله تعالى  { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ } .( سورة الحجرات الآية 11 )  وأوجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه . وتكفلت أحكام الشريعة بالحفاظ على كيان الإنسان كله ، النفس والجسد والعقل والمشاعر.

واستخلف الله سبحانه الإنسان في الأرض قال سبحانه { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } .( سورة البقرة الآية 30 ) . وهي خلافة تكريم وتكليف وتشريف لبني الإنسان ، لعبادة الله وحده ، وتعمير الأرض بالحق والخير والسلام .

- ومن أبرز حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية:

- الحياة:

لقد كرم الله الإنسان على سائر مخلوقاته فقال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)( الإسراء 70 )، وميزه على سائر مخلوقاته فسخر له السماوات والأرض، قال تعالى (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)( لقمان 20). سخر ذلك وهيأه لقيام حياة كريمة للإنسان تحفظ فيها حرمته وروحه لا يعتدي على هذه الروح أحد بقتلها وإزهاقها فحرم الإسلام القتل، واعتبره جريمة ضد الإنسانية كلها.

وعدَّ إنقاذ النفس الإنسانية وحفظها من الهلاك والإزهاق نعمة على الإنسانية فقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)( المائدة 32)، ويعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى أصدق تعبير يقول عليه السلام ” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم“ (سنن الترمذي).
-
الأمن:

لم يقف حفظ الإسلام لحقوق الإنسان عند حقه في الحياة بل تعدى ذلك إلى التأكيد على حقوق تكفل له حياة كريمة والعيش في أمن وأمان فلا يجوز التعرض له بالقتل كما لا يجوز الاعتداء على جسده بالضرب أو إتلاف جزء من أجزائه بالجرح أو القطع كما حذر الإسلام من الاعتداء بأي شكل آخر من أشكال الاعتداء على المشاعر بالسب والشتم والاحتقار والتخويف والازدراء وظن السوء به ونحو ذلك، فأراد الإسلام للإنسان أن يمارس حقه في الحياة في أمن وطمأنينة لذا قرر جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل للإنسان حماية من كل ضرر أو اعتداء عليه، ليتسنى له أن يمارس حقه في الحياة الحرة الآمنة، قال تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)( المائدة45  )، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)( البقرة 178).

- الحرية :

 في المفهوم الإسلامي ، تعتبر الشريعة أساس الحق ، وليس الحق أساس الشريعة . فالحق في الحرية ، هو وسيلة كبرى لتحقيق غايات نبيلة وسامية ، تتفق مع كرامة الإنسان ورسالته في استخلافه في الأرض . ومن أجل ذلك ، بدأ الإسلام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله عز وجل ، وتحريره من شهوات نفسه ونزوات غريزته .
فالحرية كما يرى علماء المسلمين ، هي قدرة الإنسان على التصرف ، إلا لمانع من أذى أو ضرر له أو لغيره .
وفي الإسلام يجب على الإنسان أن يتحرر من عبودية غير الله ، وسمى الله عبادة الإنسان غير الله طاغوتا ، وأمر الناس أن يكفروا به ، قال الله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } .( سورة النساء الآية 65 ) .

ولما كان الرق نظاما اقتصاديا عرفته كل الحضارات ، فقد سلك الإسلام وسيلة ناجعة للتخلص منه ، فضيق من موارده ، حتى اقتصرت على ما يكون منه في قتال مشروع ، مع جواز عدم اتباعه حتى في هذه الحالة ، ثم وسع أشد التوسعة في تحرير الأرقاء ، ولفظ "الرقيق " في ذاته ، يشير إلى رقة المعاملة لهم والإحسان إليهم ، ويجوز في الإسلام ، أن يتفق الرقيق مع سيده على عتقه نظير مال ، قال الله تعالى  { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } .( سورة النور الآية 33 ) . ويجب في الإسلام تحرير الرقيق جزاء على أخطاء يرتكبها الإنسان ، كالقتل الخطأ أو تجاوز بعض الشعائر الدينية ، حتى إن الهزل من السيد وتلفظه بعتق الرقيق خطأ أو هزلا ، ينتج أثره في تحرر الرقيق .

وفي القرآن الكريم ، دعوة إلى التفكر والتدبر ، وإعمال العقل والنظر في الكون ؛ بغية الوصول إلى معرفة السنن الكونية والاجتماعية ، والاعتبار بما وقع قال تعالى { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } .( سورة النمل الآية 69 ) وقال تعالى  { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } .( سورة العنكبوت الآية 20 ) . وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو واجب المجتمع كله ، ولا بد من قيام أهل العلم والرأي به ، حتى يكون المجتمع قد وفى بواجبه الديني ، قال تعالى  { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } .( سورة آل عمران الآية 104 ) .
والمسلمون مطالبون بالتناصح والتشاور في أمورهم العامة . يقول الله تعالى مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } .( سورة آل عمران  الآية 159 ) .
ويمدح الله  المجتمع المسلم الذي يكون من صفاته وآدابه الشورى بقوله سبحانه { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } .( سورة الشورى الآية 38 ) . فلا حرج على المسلم ، أن ينصح لأولي الأمر ، كما في الحديث الشريف « الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله ؟ قال  لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » (رواه مسلم) فالمشاركة بالرأي ، مكفولة بحكم الشورى ، الذي يجب على الأمة كلها أن تعمل به ، وتستطيع الأمة أن تقوم به بأي طريق يحقق فائدة التشاور والتناصح في الأمور العامة ، وفق توجيهات الإسلام وهديه .
لقد تقرر في الإسلام فيما يتعلق بالشورى أنه قيمة كبرى ، وترك تطبيقها بما يحقق الهدف منها إلى أهل الحل والعقد ، يختارون ما يرونه في شكلها ونظامها وإجراءاتها . ولا حد لحرية الرأي والفكر في الإسلام ، إلا الحفاظ على أصول الدين وأركان الإسلام وقيمه وحدوده ، ورعاية المصالح العامة .
فالاجتهاد مباح ومطلوب ، في أمور الدين والدنيا ، ولا ينكر منه إلا ما يهدم أصلا من أصول العقيدة أو التشريع ، أو يهدر قيمة خلقية من أخلاق الإسلام ، أو يقصد فتنة الناس وإضلالهم .

فحرية الرأي المنضبطة بضوابط الشرع ، تبني المجتمع الإسلامي ، وتصحح أخطاءه ، وتبصره بطريق الهداية والفلاح في أموره العامة . ولم تكن حرية الفكر والرأي ، مطلقة في أي مجتمع ، للذين يخرجون على ما تقرر من أصول الاعتقاد ومكارم الأخلاق ، مهما كانت معتقداتهم ، فالحرية المطلقة ، هي الفوضى المطلقة . وتكفل الشريعة للرجل والمرأة على السواء ، ما تواضع علماء القانون على تسميته بالحرية المدنية .
إن أهلية المرأة كاملة ، وذمتها المالية من شأنها ، ولها أن تجري التصرفات المالية دون حرج ، وهي حرة في اختيار زوجها . يقول الإمام ابن القيم  رحمه الله ( إن البكر العاقلة الرشيدة ، لا يتصرف أبوها في أي شيء من مالها إلا برضاها ) ( انظر زاد المعاد  5 - 97 ) . ولا شك أن التشريع الإسلامي الذي مضت عليه القرون الطويلة ، لم تصل إليه القوانين الوضعية الحديثة ، التي وضعت قيودا على أهلية المرأة في التصرف بعد زواجها .
إن الحرية قيمة كبرى في الإسلام ، تسمو بالإنسان في حياته المادية والروحية ، وليست انفلاتا مما في الإسلام من قواعد السلوك الاجتماعي أو الخلقي ، الذي يحفظ للمجتمع مصالحه وتماسكه . وفي الإسلام لا حرية لأحد في نشر الفساد أو الرذيلة أو الفتنة في المجتمع ؛ لأن الحرية لا تنزل بصاحبها إلى الشر والإفساد ، ولا تبيح له أن يؤذي غيره ، أو يعرض المجتمع للخطر . وكم قاست مجتمعات عديدة في العصر الحديث ، من الانفلات ، وإهدار الفضيلة ، وذبحها على مذبح الشهوات ، وإهدار كرامة النفس والجسد الإنساني باسم الحرية . فالحرية حق للإنسان ، ولكنها مثل كل الحقوق ، لها وظيفة اجتماعية ، لا يجوز إهدارها ، ولا تجاوزها ، ولها ضوابطها وقيودها ومجالاتها .

ومن هذا الحق تنبثق حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل أفراد المجتمع التي أقرها الإسلام وتحقيقاً لهذا الحق رفع الإكراه عن الإنسان في عقيدته، قال تعالى (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة 256). فالعقيدة الإسلامية سبيلها الأمثل الاقتناع، فهى لا تقبل الإكراه، والعقل هو الذي يقرر قبوله لها وليس للإكراه من سبيل إليها.
ولو كان الإسلام يعتمد العنف والقهر والإكراه لترسيخ عقيدته في النفوس فلن يكون هناك أقوى ولا أغلب ولا أقهر من الله تعالى، قال سبحانه (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس 99).
وعلى هذا المبدأ سار المسلمون في معاملتهم وحروبهم مع أهل الأديان الأخرى، فكانوا يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم مع أداء الجزية والطاعة للحكومة القائمة وكانوا في مقابل ذلك يحمونهم من كل اعتداء، ويتركون عقائدهم وشعائرهم ومعابدهم، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في معاهدته مع أهل بيت المقدس عقب فتحه له [هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أماناً لأنفسهم ولكنائسهم وصلبانهم ... لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقض منها ولا من خيرها ولا من صلبهم، لا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم]( تاريخ الرسل والملوك للطبري 3-609).
 ومن ذلك التعبير عن الرأي
وهذا يدخل ضمن نطاق الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في الإسلام الذي كان له فضل كبير في التأكيد على أهميتة، فلم تكتف الشريعة الإسلامية باعتبار إبداء الرأي والتعبير حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان وإنما اعتبرته أيضاً أحد الواجبات الأساسية التي يتعين على الفرد المسلم الإطلاع بها. فالمسلم ملزم بذلك طالما اقتضى الأمر ذلك فالساكت عن الحق  أي عن قول الحق شيطان أخرس. كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على ممارسة حقهم في التعبير وفي إبداء الرأي وعدم التردد فقال صلى الله عليه وسلم (لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا)( رواه الترمذي). فقد أقر الإسلام هذا الحق في أوسع نطاق، لمنح كل فرد الحق في النظر والتفكير وإبداء رأيه بطرق سليمة وواضحة.

حق التفكير في الظواهر العلمية فقد منح الإسلام الإنسان الحق في التفكير بحرية في ظواهر الكون من فلك وطبيعة وإنسان وحيوان ونبات، والأخذ بما يهديه إليه تفكيره، وما يقتنع بصحته من نظريات. فالإسلام لم يحاول مطلقاً أن يفرض نظرية علمية معينة بصدد أية ظاهرة من ظواهر الكون بل حث على النظر في ظواهر الكون والتأمل فيها واستنباط قوانينها العامة. قال تعالى (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(الغاشية 17-20) وقال تعالى َ(أوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)(الأعراف 185) وقال تعالى (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون)(النمل 88).

- المساواة:

تعد المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات ، مبدأ أصيلا في الشرع الإسلامي ، ولم يكن هذا المبدأ على أهميته وظهوره قائما في الحضارات القديمة ، كالحضارة المصرية أو الفارسية أو الرومانية ؛ إذ كان سائدا تقسيم الناس إلى طبقات اجتماعية ، لكل منها ميزاتها وأفضليتها ، أو على العكس من ذلك ، تبعا لوضعها الاجتماعي المتدني .
وكانت التفرقة بين البشر في المجتمعات القديمة ، تستند إلى الجنس واللون ، والغنى والفقر ، والقوة والضعف ، والحرية والعبودية ، وكانت طبقة الحكام ورجال الدين من الطبقات المميزة ، بل إن بعض المجتمعات ، مثل المجتمع الهندي ، كان يعرف طائفة المنبوذين ، وكان محرما على أفراد الطبقة أن ينتقلوا منها إلى طبقة أعلى ، حتى ولو كانت ملكاتهم تتيح لهم ذلك . وذلك ما لا نجده في التشريع الإسلامي فمبدأ المساواة بين الناس هو تسوية أصلية بحكم الشرع ، ومضمونها محدد ، وأساليب تطبيقها واضحة ، والجزاء عند مخالفتها قائم ، وهو جزاء دنيوي وأخروي .
إن التسوية بين البشر ، تعني التسوية بينهم في حقوق الكيان الإنساني ، الذي يتساوى فيه كل الناس . أما التسوية الحسابية في الحقوق الفرعية التي تؤدي إلى المساواة بين غير المتماثلين ، فإنها معنى يختلف عن التسوية في الآدمية التي كرمها الله ، والتي تستند إلى مبادئ ثابتة وأصل واضح ، قال الله تعالى  { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .( سورة النساء الآية 1 ) . فالناس كلهم من نفس واحدة .
ويبين الحديث الشريف هذا الأصل في المساواة يقول عليه السلام
« إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء ، مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، والناس بنو آدم ، وآدم من تراب ، لينتهين أقوام عن فخرهم برجال أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن » (رواه أحمد) هذه قاعدة الإسلام الأصلية في المساواة ، كما تحددت في آيات القرآن الكريم ، وبينتها السنة المشرفة .
وحينما تختلف أحوال الناس ، وأوضاعهم ، وتختلف أزمنتهم وأمكنتهم ، ويوجد التنوع في الأجناس والألوان واللغات ، والغنى والفقر ، والقوة والضعف ، والعلم والجهل ، ويختلف الموقع الاجتماعي والاقتصادي بين الناس ، حينذاك تفرض المجتمعات معايير للتفاضل بين الناس ، إزاء هذا التنوع والاختلاف . ولا بد من وضع معيار للتفاضل ؛ لأن المساواة المطلقة لا تكون إلا في الكيان الإنساني ، والمشكلة تبدأ عند وضع هذا المعيار ، بحيث لا يخل بمبدأ المساواة في ذاته ، ويجعل التفاضل وسيلة نمو ورقي ، وليس ذريعة للظلم والتفرقة بين الناس . وهذا ما جاء في الشرع الإسلامي ، فقد ترك كل المعايير السائدة للتفاضل ، كالقوة والضعف ، والموقع الاجتماعي ، أو الاقتصادي ، أو الطبقة التي ينتمي إليها الإنسان ، أو الجنس واللون .
فكل هذه المعايير ، كانت قائمة في المجتمعات القديمة ، حتى أنكر بعض الفلاسفة الأقدمين ، مبدأ المساواة ذاته ، مثل أفلاطون الذي قرر أن بعض الناس خلقوا ؛ للحكم والسيطرة ، وبعضهم خلق ؛ لكي يكون محكوما يعمل من أجل غيره . وجاء في الإسلام معيار للتفاضل ، يتساوى أمامه الخلق جميعا على اختلاف الأجناس والألوان ، والحرية والعبودية ، إنه معيار التقوى ، قال الله تعالى { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ( سورة الحجرات ، الآية 13 ) . إن معيار التفاضل هنا ، يستطيع الارتقاء إليه كل البشر ، ولا يقسم الناس إلى طبقات يعلو بعضها بعضا ، وهو معيار يدفع إلى الرقي والسمو بالإنسان .
إن التقوى معيار الكرامة الإنسانية عند الله عز وجل ، ومع ذلك فهي معيار الصلاح في الدنيا ، وهو معيار حقيقي وعملي ؛ إذ إن صلاح الإنسان في دنياه ، يجعله أفضل لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه ، من غيره الذي لا يفيد نفسه ولا مجتمعه بشيء .
وقد هدم الدين الإسلامي بهذا المعيار الحقيقي الذي يرتقي بحياة الإنسان والمجتمع ، كل المعايير الزائفة ، التي أشار القرآن الكريم إلى الكثير منها .
يقول الله تعالى في الإنكار على أصحاب المعايير الزائفة في التفاضل { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } ( سورة الشعراء الآية 111 ) . مما يدل على أنهم لم يؤمنوا ؛ لأن مَن هم أقل منهم قد آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم . وقالوا  { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ }  ( سورة البقرة الآية 13 ) .
ولما طلب وجهاء قريش ومن كانوا يحسبون أنفسهم سادة قومهم ، من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الفقراء والمساكين وضعاف الناس الذين التفوا حوله وآمنوا به ، كعمار بن ياسر ، وبلال ، بحجة أنهم يريدون أن يستمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم لا يجلسون مجلسا يكون فيه هؤلاء محل الرعاية من الرسول الكريم نزل قول الله تعالى  { وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } ( سورة الأنعام الآية 52 ) .

وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى المساواة ، حين شفع وجهاء من القوم ، في إعفاء امرأة شريفة وجب عليها حد السرقة ، حتى لا توقع عليها العقوبة ، فأبى النبي  صلى الله عليه وسلم  ذلك ، ونبه إلى عدم جواز الشفاعة في حدود الله ؛ لأن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الناس ، ويؤدي إلى إيثار ذوي الوجاهة بإعفائهم من العقاب ، مع إقامة الحدود على ضعفاء الناس ، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن ذلك الأمر إذا ساد في مجتمع أدى به إلى الزوال ، فقال « إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد » (رواه البخاري) ويعيب الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد أصحابه الملازمين له على الحب والتلقي منه ، أنه عير صاحبا له بلونه ، فحين عير أبو ذر الغفاري بِلالا بلونه الأسود ، غضب النبي صلى الله عليه وسلم  وقال للصحابي الجليل  « إنك امرؤ فيك جاهلية » (رواه البخاري) . وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع  « لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى » (رواه أحمد) وأقامت الشريعة الإسلامية أصل المساواة في أحكامها ، على النحو الذي يجعل هذا المبدأ وسيلة لرقي الإنسان ، وتحصيل مصالح الحياة .
 والمرأة في الإسلام مكلفة مثل الرجل ، بما أمر الله به وما نهى عنه ، وإن جزاءها مثله قال الله تعالى { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( سورة النحل ، الآية 97 ) . وكل من الرجل والمرأة ، له حقوق وعليه واجبات ، وهي حقوق وواجبات تكاملية ، تجعل من حقوق الرجل وواجباته ، وحقوق المرأة  وواجباتها ، كلا متكاملا في وحدة واحدة ، تصلح بها حياة الأسرة . فإذا كان من حق الرجل الطلاق ، فإن من حق المرأة الخروج من زوجية تضرها بشروط معينة ولها الحق في طلب التطليق إذا ظلمت من زوجها ، الذي لا يكون أمينا عليها . ومن حقها العمل إذا احتاجت إليه ، أو احتاج العمل إليها ، كما في بعض المهن والأعمال المناسبة لها ، وفق ضوابط الشرع  ولها أهليتها الكاملة وذمتها المالية المستقلة . وهي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم « إنما النساء شقائق الرجال » (رواه أبو داود) ومع التسوية في الكيان الإنساني ، ومع الحقوق والواجبات التي تتكامل في الأسرة ، ففي الإسلام دعوة إلى التوصية بالمرأة ، ومعاشرتها بالمعروف ، قال الله تعالى { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .( سورة النساء ، الآية 19 ) وفيه نداء إلى الرجل ألا يسارع إلى كراهة امرأته ولو كان فيها بعض ما يعاب ، يقول سبحانه { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } ( سورة النساء ، الآية 19 ) . وفي هذه التسوية التكاملية ، مصلحة المرأة والرجل ، ومصلحة الأسرة والمجتمع .
وفي الإسلام يباح للرجل أن يعدد زوجاته إلى أربع ، مع القدرة على ذلك ، ووجوب العدل والتسوية بينهن . والتعدد يفتح الباب لمراعاة امرأة لا يصح أن تترك في الحياة بلا معيل ، ولا مسؤول بها ، كما يغلق الباب أمام استغلال المرأة ، وجعلها مجرد أداة للمتعة واللهو ، دون تحمل للمسؤولية ، ودون الالتزام نحوها بشيء .
وهذا حال المرأة التي تقبل المعاشرة الغير المشروعة ، فتكون هي الخاسرة في كل حال ، حيث لا التزام نحوها ممن يتخذها خليلة له ، ويتظاهر بأنه لا يعدد الزوجات .
والتعاون والتكامل بين الحاكم والمحكوم من القواعد الأساسية في الإسلام . ويعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وهو أفضل الخلق ، مبدأ المساواة في أمثلة متعددة ، منها أنه لما كان يصفُّ أصحابه للقتال ، دفع بعصا صغيرة في يده رجلا خرج من الصف ، فلما شكا الرجل إليه ، كشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطنه الشريفة ؛ لكي يقتص منه الرجل ، فإذا به يهوي ليقبل جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان مبتغاه ومراده أن يمس جسد الرسول قبل أن يستشهد في القتال (رواه أبو داود) ولقد تعلم أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم ذلك ، يقول أبو بكر رضي الله عنه للناس  ( إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ) (انظرالبداية والنهاية للإمام ابن كثير) وهي مساواة لا تخل بحق الطاعة لولي الأمر ، الذي يرعى مصالح المسلمين .
فإذا كان من حق المحكومين التسوية في الحقوق والواجبات ، فإن من حق الحاكم الطاعة له في المنشط والمكره . وهذا الحق ، أساسه الشريعة التي أعطت الحق في المساواة ، قال الله تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } ( سورة النساء الآية 59 ) .
وفي الإسلام تسوية بين البشر في الكيان الإنساني ، فالكرامة الإنسانية هي للآدمي ، يقول الله تعالى  { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ( سورة الإسراء الآية 70 ) .
ومال المعاهد والذمي ، لا يحل للمسلم إلا برضاه ، وعرضه مصون في المجتمع الإسلامي . ويمكن للذمي أن يعيش في المجتمع الإسلامي آمنا على نفسه وماله وعرضه ، بل ويتمتع بالبر والإحسان ، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أعطى شيخا من شيوخ أهل الذمة من بيت المال لما رأى حاجته  وعجزه عن الكسب (انظرأحكام أهل الذمة للإمام ابن القيم ج 1- 38) وكل ذلك من آداب التسوية بين الناس وقواعدها العامة ، وهي مستمدة من قول الله تعالى { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } ( سورة الممتحنة الآية 8 ) .
تلك من أهم صور المساواة التي جاءت في الإسلام ولم تكن قواعد المساواة تلك ، معروفة في المجتمعات الإنسانية قبل الإسلام .
-
الضمان الاجتماعي:
يقوم المجتمع الإسلامي أساساً على التضامن والإخاء، قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(المائدة 2)، وقال تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(العصر3)، وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه(صحيح البخاري).
ويتحقق الضمان الاجتماعي في شريعة الإسلام على كافة المستويات وشتى الصور أولها تكافل الأسرة في النفقة والإرث والوصية.

قال تعالى (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(الأنفال 75)، يأتي بعد هذا التعاون حق الجوار قال تعالى(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)( النساء 36).
وتتسع دائرة الضمان الاجتماعي إلى تعاون المجتمع بعضه مع بعض وذلك عن طريق الصدقات الواجبة منها قال تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)( التوبة 60)، والتطوع فقال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيره)(البقرة 245).
-
المسكن:

حفظ الإسلام للإنسان حق السكن بل وكفل له الأمن في مسكنه لأنه مأواه ومكمن سره ومكان راحته وطمأنينة نفسه. فالسكن من الأمور الأساسية لضمان حياة كريمة، تبعده عن عوارض الكون كحر الصيف وبرد الشتاء . وقد ضَمِن الإسلام هذا الحق لكل سكان الدولة الإسلامية من المسلمين وأهل الذمة، فكفل ذلك الحق لكل فرد من أهل الذمة كما يكلفه تماماً لكل فرد من المسلمين(انظر تدوين الدستور الإسلامي أبو علي المودودي 76).

وحفظاً لهذا الحق قررت الشريعة الإسلامية ضرورة المسكن لكل فرد ، فإذا ما توفر للفرد سكن فلا يجوز لأحد أن يعتدي على حرمة ذلك المسكن بل ولا يجوز لأحد أن يدخل مسكناً إلا بإذن صاحبه، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ? فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)( النور27-28)، وقال صلى الله عليه وسلم ” إذا استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع“(رواه الدارمي)، كذلك قال صلى الله عليه وسلم “ لو اطلع في بيتك أحدٌ ولم تأذن له حذفته بعصاه ففقأت عينه ما كان عليك جناح“(صحيح البخاري).
-
التعليم:

وقد كانت أولى آيات القرآن الكريم دعوة للقراءة والمعرفة قال تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)( العلق 1-5) . كما قدر القرآن مكانة العلم والعلماء، قال تعالى (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)( الزمر9) ، وإننا لنرى في الإسلام منزلة الجهاد والمجاهدين وكم حث الإسلام على الجهاد إلا أنه جعل طلب العلم والتعليم مبرراً كافياً للتخلف عن الجهاد إذا لم يتعيّن،أي الجهاد، قال تعالى (مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة 122)، فهو حق كفله الإسلام لأفراد الدولة وحثهم على طلبه في شتى فروعه المختلفة وعلومه المتنوعة ما لم يكن ضاراً بالمجتمع أو لم يترتب على اكتسابه مصلحة.
وقد ضمنت الدولة أن تسهل سبل طلب العلم وتحصيله فهو من الضروريات، فأناط الإسلام بها مسئولية نشر العلم والقيام على أمره وتمكين جميع المواطنين منه. وقد بلغ اهتمام الإسلام بالعلم وحرصه على تعميمه، أن جعل إحدى الوسائل المؤدية إلى الإفراج عن الأسرى بقيام كل واحد منهم تعليم عدد من أبناء المسلمين وهذا ما وقع في غزوة بدر.
-
العمل:
كفل الإسلام الحق في العمل لكل فرد وفي تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية لجميع الأفراد الذين يعيشون في كنف هذه الدولة دونما تفرقة أو تمييز بينهم لأي اعتبار كان سوى اعتبار الكفاءة والاقتدار والنزاهة، ومؤدى ذلك أن لكل فرد الحق في العمل الذي يتفق مع قدراته وميوله.
ومن مظاهر حث الإسلام على العمل ما جاء في كتاب الله من قوله (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)( من سورة الملك 15) .
وقال صلى الله عليه وسلم "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"(صحيح البخاري)، وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام لم يكتف بكفالة حق العمل بل حدد ووضع ضمانات لحماية هذا الحق وتنظيم ممارسته وفقاً لمعايير عادلة وإنسانية ومن أمثلة هذه الضمانات النهي عن اللجوء إلى السخرة وفرض العمل قسراً على أي فرد  دون رغبة  أو رضا، كما حث على إعطاء العامل أجره  دون تأخر فقال صلى الله عليه وسلم ”أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه(انظر فيض القدير (1/562)).
-
التنقل وحرية السفر:
التنقل حق الإنسان في داخل بلده وكذلك السفر خارجه بحرية تامة دون عوائق تمنعه من هذا الحق إلا إذا تعارض مع حق غيره أو حقوق الجماعة. فلا تقوم حياة إلا بالحركة وهي وسيلة للعمل، والعمل وسيلة للكسب ، والكسب وسيلة للحياة ، وقوام الحركة التنقل بالغدو والرواح.
فقد أقر الإسلام حرية التنقل مطلقة في المباحات والسفر للتجارة والتكسب وغير ذلك قال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(الجمعة 10) وقال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ( الملك 15).

وقد أوقع الإسلام أشد العقوبة بمن مس أمن وحرية الأفراد في التنقل بين أرجاء الدولة أو من دولة إلى أخرى قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(المائدة 33)، ومع ذلك استثنى القرآن من العقاب من يثبت رجوعه عن هذه الجريمة قبل إلقاء القبض عليه فقال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)( المائدة 34).
-
التملك :
عمد الإسلام إلى إقرار حق الفرد في التملك لأنه يمثل النظام الذي قامت عليه حياة المجتمعات على تعدادها، واستقرت عليه نظمه الاقتصادية على اختلافها(انظر الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام  للشيخ علي الخفيف 1 -29) فلا شبهة في تقرير هذا الحق الواضح الصريح في الإسلام ولا شبهة كذلك في أنه قاعدة الحياة الإسلامية، قال تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)(النساء 32) وقال تعالى (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً)(النساء 2).
والإسلام لا يدع حق الملكية مطلقاً دون تقيد أو ضوابط بل نظمه بطريقة تحقق مصلحة الفرد والجماعة، قال تعالى (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(النساء 24). كذلك أحاط الإسلام ملكية الفرد بسياج قوي من الحماية وفرض عقوبات قاسية على كل معتد عليها أياً كانت صورة هذا الاعتداء.
- احترام إنسانية الإنسان:
وذلك فيما يتصل بالآداب الإنسانية في الحياة وبعد الممات عن جابر بن عبد الله قال (مرت جنازة فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال أوليست نفساً إذا رأيتم الجنازة فقوموا) رواه البخاري.
-
احترام العهود والمواثيق وعدم النكث بها:
أوجب الإسلام على المسلمين أن يحترموا كل عهد وميثاق أبرموه مع أي طرف كان وأن لا يعتدوا على قومٍ يجمعهم بهم ميثاق ما لم ينقضوا شيئاً منه أو يعينوا على المسلمين غيرهم. وقد ذكر الله ذلك في قوله تعالى (إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(التوبة 4). ولقد ضرب خلفاء المسلمين وقادتهم أمثلة فريدة في الوفاء بالعهد تمتلىء بها كتب السير والتاريخ.
-
الجوار للمستجير:

وحق الجوار للمستجير حفظه الإسلام وقرره وإن كان المستجير كافراً بل ومحارباً فأوجب على المجير المؤمن التزامات قررها القرآن حيث قال (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)(التوبة 61)، فحق اللجوء الذي يعطى للمشرك إنما يعزز رسالة الأمة ويظهر سماحة الدين ويهيئ المناخ الصالح والفرص الملائمة لإبلاغها.
هذه أهم حقوق الإنسان في الإسلام يظهر لنا من خلالها أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بهذه الحقوق في أكمل صورة .
والإسلام حين أقر تلك الحقوق لم يغفل عن الجانب الغريزي في الإنسان من حب السيطرة والاستيلاء والاستزادة. فهي موضوعة فيه لحكمة اقتضاها الخالق العظيم لتكون بمثابة وقود الأمل المتجدد في الحياة، وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات. فحيث أقر سبحانه حقاً أحاطه بسياج من الضمانات تتمثل في العقوبات والحدود التي أقرها. وألزم الجماعة بالالتزام بها كفالة لذلك الحق لأن كل حق لا يحاط بأحكام تحفظه يفقد معنى وجوده. ولذلك فإن جميع النصوص الشرعية الواردة بشأن حقوق الإنسان في الإسلام تجدها حيث تقرر حقاً تضع تجاهه أحكاماً لضمانه وكفالة التمتع به. وتلزم الآخرين باحترامه. والإسلام حيث أقر الحقوق لم يجعلها مطلقة من كل قيد بل ربطها بحدود الالتزام بمبادئ الخير، وجعل لها حدوداً تنتهي إليه حتى لا يُعتدى باسمها على حق الغير في نفس الاتجاه. فالناس جميعاً في نظر الإسلام أصحاب حقوق وحريات ما لم تصطدم بالخير أو بحق الغير.

هذه هي نظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان وذاك هو منهجه في إقرارها ولقد أقرت الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي مشروع حقوق الإنسان في الإسلام وضمنته ما يلي:

- الحقوق الأساسية :

- المادة الأولى:

أ ـ البشر في كل أقطارهم أسرة واحدة، مخلوقون من نفس واحدة، متساوون في الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأكرمهم عند الله أتقاهم وأنفعهم لعباده.

ب ـ لا تمييز بين الناس بسبب اختلاف العرق أو اللغة أو الديار أو الجنس أو العقيدة  أو الانتماء السياسي أو الوضع الإجتماعي.

- المادة الثانية:

يولد الإنسان حراً، ولا عبودية لغير الله تعالى، وليس لمخلوق أن يستعبده، أو يذله أو يستغله.

- المادة الثالثة:

أ ـ حق الحياة مكفول بالشريعة لكل إنسان، وعلى الأفراد والمجتمعات والدولة حماية هذا الحق من كل اعتداء.

ب ـ يُحرّم اللجوء إلى أية وسيلة تفضي لإفناء النوع البشري كلياً أو جزئياً.

جـ ـ استمرار الحياة البشرية أحد أصول الإسلام لا يجوز تعطيله بمناهضة الزواج ولا الانتقاص منه بمنع الإنجاب، ولا إباحة الإجهاض لغير ضرورة شرعية.

د ـ لكل إنسان الحق في أن يعيش آمناً على نفسه وأهله وسمعته الاجتماعية وماله متحرراً من كل أنواع الخوف.

- المادة الرابعة:

أ ـ التدين حق لكل إنسان، ولا إكراه في الدين. فلا يجوز حرمانه منه، ولا ممارسة أي ضغط عليه للتخلي عنه.

ب ـ يتعين على المسلم ـ وقد اهتدى إلى الإسلام بالإيمان بوجود الله والاعتراف بوحدانيته ـ الثبات عليه.

- الحقوق السياسية:

- المادة الخامسة:

أ ـ حرية الرأي والتعبير عنه بالوسائل المشروعة مصونة، ولكل إنسان حق ممارستها في حدود مبادئ الشريعة وقيم الأخلاق.

ب ـ لكل إنسان الحق في الدعوة بالحكمة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله أن يشترك مع غيره من الأفراد والجماعات في ممارسة هذا الحق والدفاع عنه لصالح المجتمع وخيره.

- المادة السادسة:

لكل إنسان الحق في:

أ ـ أن يشارك في اختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وتقويمهم وفقاً للأنظمة المقررة بمقتضى الشريعة.

ب ـ أن يشارك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

جـ ـ أن يتقلد الوظائف العامة وفق الضوابط المشروعة.

- حقوق الأسرة:

- المادة السابعة:

أ ـ الأسرة عماد المجتمع المسلم، والزواج أساس وجودها، وهو واجب على الرجال والنساء، يرغّب الإسلام في ممارسته ولا يحول دون التمتع به أي قيد منشؤه العرق أو اللون أو الجنسية إلا لضرورة تقتضيها أحكام الشريعة.

ب ـ على الدولة والمجتمع إزالة العوائق أمام الزواج، وتيسير وسائله.

جـ ـ التراضي أساس في عقد الزواج، وإنهاؤه لا يكون إلا وفق أحكام الشريعة.

- المادة الثامنة:

أ ـ المرأة شقيقة الرجل ومساوية له في الإنسانية، ولها من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات.

ب ـ الرجل قيِّم على الأسرة ومسؤول عنها، وللمرأة شخصيتها المدنية وذمتها المالية المستقلة وتحتفظ باسمها ونسبها.

- المادة التاسعة:

أ ـ لكل طفل، منذ ولادته، حق على والديه ومجتمعه ودولته في الحضانة والتربية والرعاية المادية والأدبية.

ب ـ على المجتمع والدولة حماية الأمومة وتعهدها برعاية خاصة.

جـ ـ من حق الأب أن يختار لطفله التربية الملائمة في ضوء القيم الأخلاقية والإسلامية.

- حق الانتماء والجنسية:

- المادة العاشرة:

حق الإنسان في الانتماء لأبيه وقومه غير قابل للإنكار أو الإسقاط.

- المادة الحادية عشرة:

حق الإنسان في التمتع بجنسية بلده مصون، ولا يجوز حرمانه منه تعسفاً. وله حق تغيير الجنسية.

- حقوق التعليم والتربية:

- المادة الثانية عشرة:

أ ـ طلب العلم فريضة على كل إنسان.

ب ـ التعليم واجب على المجتمع والدولة، وعليهما تأمين سبله ووسائله وضمان تنوعه بما يحقق مصلحة الجماعة، ويتيح للإنسان معرفة دين الله تعالى، وحقائق الكون وتسخير الطبيعة لصالح البشرية وغيرها. وهو إلزامي في مراحله الأولى على الأقل.

- المادة الثالثة عشرة:

على مؤسسات التربية والتوجيه المختلفة، من أسرة ومدرسة وجامعة وأجهزة إعلام وغيرها، أن تعمل على تربية الإنسان دينياً ودنيوياً تربية كاملة ومتوازنة بحيث تقوّي إيمانه بالله تعالى وتنمّي شخصيته، وتعزز احترامه للحقوق وقيامه بالواجبات.

- حقوق العمل والضمان الاجتماعي:

- المادة الرابعة عشرة:

أ ـ العمل حق تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، وللإنسان حرية اختيار العمل المشروع الذي يلائمه.

ب ـ على العامل إتقان عمله والإخلاص فيه، وله حقه في الأجر العادل الكافي مقابل عمله، وله الحق في كل الضمانات المتعلقة بالسلامة والأمن.

جـ ـ إذا اختلف العمال وأرباب العمل فمن حقهم على الدولة والقضاء التدخل دون تمييز، لرفع الظلم وإقرار الحق.

- المادة الخامسة عشرة:

لكل إنسان على مجتمعه ودولته حق الضمان الاجتماعي بأنواعه المختلفة، بما يمكن له من العيش الكريم في الغذاء والكساء والعلاج والتعليم.

  - حقوق الكسب والانتفاع والملكية الأدبية:

- المادة السادسة عشرة:

لكل إنسان الحق في الكسب المشروع، على ألا يحتكر ولا يغشّ ولا يضرّ بفرد أو جماعة. المادة –

- المادة السابعة عشرة:

أ ـ لكل إنسان الحق في الانتفاع من ثمرات الإنتاج الإنساني في ميادين العلم النظرية والتطبيقية.

ب ـ ولكل إنسان الحق في الانتفاع بثمرات إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني على ألا ينافي هذا الإنتاج مبادئ الشريعة وقيم الأخلاق.

جـ ـ على الدولة حماية هذه الحقوق.

- حقوق التقاضي:

- المادة الثامنة عشرة:

أ ـ حق اللجوء إلى القضاء مكفول للجميع.

ب ـ الناس سواسية أمام الشرع، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.

- المادة التاسعة عشرة:

الأصل في الإنسان البراءة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تتوافر له فيها كل ضمانات الدفاع، والشبهة تُفسّر لصالحه.

- المادة العشرون:

ـ مسؤولية الإنسان عن أفعاله في أساسها شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص.

ب ـ لا يجوز، بغير موجب شرعي، القبض على إنسان أو تقييد حريته أو نفيه أو تعريضه للتعذيب البدني أو النفسي، أو لأي معاملة منافية للكرامة الإنسانية. وكل تدبير أو نص يجيز ذلك يُعد هدراً للحق الإنساني ومنافياً للشرع الإلهي.

- المادة الحادية والعشرون:

أ ـ لكل إنسان الحق في الاعتراف له بشخصيته الشرعية من حيث أهليته للإلزام والتزام.

ب ـ لكل إنسان حقه في الاستقلال بحياته الخاصة وأسرته وماله واتصالاته الاجتماعية، ولا يجوز التجسس عليه أو الإساءة إلى سمعته. ويجب على الدولة حمايته من كل تدخل تعسفي.

- حق التنقل واللجوء:

- المادة الثانية والعشرون:

أ ـ لكل إنسان حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل بلاده أو خارجها مع مراعاة الضوابط المشروعة لذلك.

ب ـ للمضطهد حق اللجوء إلى دولة أخرى، وعلى الدولة التي لجأ إليها أن تجيره حتى يبلغ مأمنه.

- حقوق وواجبات أثناء الحروب:

- المادة الثالثة والعشرون:

في حالة الحرب لا يجوز قتل الأطفال والنساء والشيوخ والمنقطعين للعبادة وغيرهم ممن لا مشاركة لهم في القتال، ولا يقطع الشجر ولا تُنهب الأموال ولا تُخرب المنشآت المدنية ولا يُمثّل بالقتيل. وللجريح الحق في أن يداوى وللأسير أن يُطعم ويؤوى.

- حرمة الميت:

- المادة الرابعة والعشرون:

حرمة الموت واجبة شرعاً، وعلى الدولة والمجتمع حماية جثمان الميت ودفنه وتنفيذ وصاياه وفقاً لأحكام دينه، ومنع التشهير به.

 (انظر في هذا الموضوع ”الفقه الإسلامي وأدلته“ للدكتور وهبة الزحيلي ”من حقوق الإنسان في الإسلام“ لعبد الله مرتجى و“حقوق الإنسان في الإسلام“ لعبد الله بن عبد المحسن التركي وموقع  www.shamela.ws.
                                                                             والحمد لله رب العالمين

 

Rectangle à coins arrondis: مكتبة الموقع
Rectangle à coins arrondis: مقالات علمية 
Rectangle à coins arrondis: دراسات علمية 
Rectangle à coins arrondis: الصفحة الرئيسة
Rectangle à coins arrondis: مواقع علمية إلكترونية
Rectangle à coins arrondis: صور للحرمين الشريفين

مقالات علمية

   الحقوق الأساسية للإنسان في الشريعة الإسلامية    - تنسيق -

حفظ الضروريات من المقاصد الشرعية

أصول الفقه بين القطعية والظنية

منهجية البحث عند علماء الإسلام

الإحتكام الى الشريعة وفقه النصوص

إعتبار المآل في الأحكام الشرعية

الإستقراء في الفكر الأصولي

القرينة عند الفقهاء

تعارض الأدلة الشرعية وكيفية الترجيح بينها

حق الله وحق المكلف

تجديد علم أصول الفقه

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

الحقوق الأساسية للإنسان في الشريعة الإسلامية

فضل أهل البيت

حقوق الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم

الإسلام والإيمان والإحسان

ضرورة الاتباع والتحذير من الإبتداع

القضاء والقدر

ما يجوز فيه الاجتهاد

التكافل الاجتماعي

المعجزة والكرامة

توحيد الربوبية

توحيد الألوهية

موقع الأخلاق في المنظومة الإسلامية

توحيد الأسماء والصفات

نماذج من القواعد الأصولية

الفرق بين القاعدة والضابط الفقهي

وظيفة المال وحق الملكية الفردية والقيود الواردة عليه في الإسلام

حكم أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وتقريراته

من حقوق المسلمين بعضهم على بعض

مقوِّمات وخصائص المجتمع الإسلاميّ